News

كيف أثرت العقوبات على قوة روسيا في الشرق الأوسط؟


لقد كان لـليونيد سيلوتسكي، رئيس لجنة العلاقات الخارجية في الدوما، ما يقوله أول أمس لرئيس تركيا رجب طيب اردوغان. كان عضو البرلمان الروسي، زعيم حزب اليمين الديمقراطي – الليبرالي، متورطاً في فضيحة تحرش جنسي أشعلت روسيا قبل نحو أربع سنوات. وهو أيضاً كان أول من رد على قرار تركيا الموافقة على انضمام فنلندا والسويد إلى الناتو. “لو كنت في مكان تركيا لما أثنيت على نفسي بالوعود التي قطعتها مقابل عدم استخدام حق الفيتو ضد انضمام فنلندا والسويد إلى الناتو”، قال سيلوتسكي، الذي لم يوضح ما هو القصد بالوعود.

ولكن الرئيس الأمريكي، جو بايدن، الذي التقى اردوغان لمدة ساعة في إطار قمة للناتو في مدريد، سبق وأعلن عن تأييده لبيع طائرات “اف 16” لتركيا. هذا ليس المكسب الوحيد الذي تتوقعه أنقرة من قرارها دعم الموقف الأوروبي – الأمريكي والتراجع عن نيته فرض الفيتو على انضمام الدولتين. اردوغان كسب لنفسه مكاسب سياسية جيدة بشكل خاص، حيث إنه في مباراة لي الأذرع التي جرت في الأيام الأخيرة بينه وبين البيت الأبيض والدول الأوروبية، أظهر مرة أخرى قدرة على الذهاب حتى النهاية وفرض إرادته.

قد يتسلم الآن بضع عشرات من النشطاء الأكراد الذين يعيشون في فنلندا والسويد، والذين طالب بتسليمهم مقابل عدم استخدام الفيتو، وهي خطوة إذا تم تحققها فستجبر هلسنكي وستوكهولم على تغيير قوانين التسليم فيها بصورة ستعمل على تآكل مكانتها كدول آمنة للاجئين السياسيين. بالنسبة لهاتين الدولتين، هذه سابقة يتوقع أن تخضع للاختبار العام وربما تحدث أزمة سياسية. بالنسبة لاردوغان، سيفرض على الدول التي تهاجمه بسبب وضع حقوق الإنسان في بلاده على اتخاذ خطوة قد تحطم تقاليد وهوية هاتين الدولتين بصفتهما حاملتين هذا اللواء. الأربع ساعات التي قضاها اردوغان مع رئيس فنلندا ساولي منستا، ورئيسة حكومة السويد ماغدلينا اندشون، الثلاثاء، في مدريد شدت أيضاً أعصاب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. هذا الأخير قدر كما يبدو بأن اردوغان سيواصل استخدامه كركيزة آمنة ضد توسيع الناتو، مثلما امتنع عن تبني العقوبات الغربية ضد روسيا. يرتكز تقديره على أساسين ظهرا لموسكو ثابتين بما فيه الكفاية لضمان دعم أنقرة.

قبل بضعة أسابيع وصل وزير الخارجية الروسي سرجيه لافروف، على رأس بعثة كبيرة لزيارة عمل في تركيا، رسمياً من أجل مناقشة إقامة معبر آمن لتزويد القمح من أوكرانيا إلى تركيا عن طريق البحر الأسود، ومن هناك إلى الشرق الأوسط وإفريقيا؛ لتقليص الأضرار التي حدثت جراء النقص العالمي في القمح وتبديد تهديد المجاعة المتوقعة في الدول الإفريقية. هذا المعبر يحتاج إلى مرافقة عسكرية ورقابة على السفن لمنع نقل السلاح وترتيبات دفع مقبولة. ولكن هذا الاتفاق، الذي كان سيمنح تركيا مكاسب سياسية واقتصادية، يعتمد على موافقة أنقرة على طلب موسكو الامتناع عن غزو سوريا وتوسيع القطاع الأمني في شمال الدولة، من أجل طرد المقاتلين الأكراد السوريين الذين تعتبرهم تركيا إرهابيين.

هنا حدث التقاء مصالح بين روسيا وإيران والولايات المتحدة، التي هي أيضاً تعارض وبشدة غزو مناطق تحت سيطرة الأكراد، الذين تعتبرهم أمريكا حلفاء حيويين. رفض اردوغان طلب روسيا والضغط الأمريكي، و”استمع” لطلب إيران التي تخشى من أن غزو تركيا سيضر بقدرة الرئيس بشار الأسد على السيطرة على جميع أجزاء سوريا. مع ذلك، نجح اردوغان في استخراج تصريح من روسيا بحسبه “موسكو تتفهم احتياجات تركيا الأمنية”. وهذه أقوال فيها أكثر من إشارة على استعداد روسيا للموافقة على غزو تركي محدود. كانت روسيا تتوقع أن هذا الدعم المتحفظ سيكفي لمنع اردوغان من منع انضمام فنلندا والسويد للناتو، لكن لتركيا اعتبارات أخرى وازنة.

العلاقات الدبلوماسية، التي تم استئنافها بينها وبين السعودية والالتزام باستثمار المليارات التي حصلت عليها منها ومن الامارات، واحتياجاتها الأمنية لشراء طائرات “اف 16” أمريكية و80 منظومة تطوير لطائرات قديمة، واحتمالية ترميم العلاقات مع البيت الأبيض، كل ذلك رجح الكفة. شبيهاً بأنقرة، لم تتبن الرياض وأبو ظبي العقوبات على روسيا، وانقض أصحاب رؤوس أموال روس على سوق العقارات فيهما. ولكنها في الوقت نفسه تفحص وبخوف كبير وضع روسيا المتقدم في حربها مع أوكرانيا وعلاقتها الوثيقة مع إيران. زيارة بايدن للسعودية، المخطط لها بعد أسبوعين، ساهمت أيضاً في الخطوات الدبلوماسية للمملكة. وبناء على طلب إدارته، فإن الرياض قامت بتنسيق المواقف مع تركيا بخصوص روسيا.

محور موسكو – بغداد

خيبة الأمل الكبيرة من قرار تركيا ليست الإشارة الوحيدة على تذبذب فضاء تأثير روسيا في الشرق الأوسط. فروسيا لها مصالح اقتصادية كثيرة في العراق، خصوصاً في الإقليم الكردي الذي يتمتع بالحكم الذاتي. شركات النفط الروسية، “روسنفط” و”غاز بروم” و”لوكافيل”، استثمرت مليارات الدولارات في تطوير حقول النفط الكردية. وهي تسيطر على نحو 80 في المئة من أنبوب النفط الذي أقيم بين الإقليم الكردي وتركيا، وتعهدت باستثمار نحو 1.8 مليار دولار إضافية في توسيعه كي يتمكن من نقل نحو مليون برميل نفط يومياً. الشركات الروسية تستثمر أيضاً في خمسة حقول نفط كبيرة في جنوب العراق، بعد حصولها على امتيازات عمل من حكومة العراق. هذه الاستثمارات وضعت في يد روسيا روافع تأثير على الهيكل السياسي في العراق، التي تم تنسيقها مع القيادة في إيران.

لكن النزاع الطويل بين حكومة العراق وقيادة الإقليم الكردي على استغلال النفط في المنطقة وتوزيع المداخيل منه، أثمر مؤخراً مبادرة عراقية لإقامة شركة النفط لكردستان بملكية الحكومة العراقية لإدارة الحقول الكردية. طلبت الحكومة من قيادة الإقليم الكردي تسليمها جميع الاتفاقات التي وقعت مع شركات نفط أجنبية في الـ 18 سنة الأخيرة، لإجراء حسابات تاريخية بشأن نصيبها في الأرباح.

كلما تقدمت هذه العملية يتوقع أن تتعرض استثمارات الشركات الروسية لخطر التأمين من قبل الحكومة العراقية، أو سيطلب منها دفع تعويضات عن الأرباح التي حققتها في الإقليم الكردي دون دفع ضرائب للحكومة. الأزمة السياسية في العراق – الذي لم يشكل بعد حكومة منذ ثمانية أشهر بعد الانتخابات – تعيق تطبيق القرار في هذه الأثناء. ولكن إذا كان لروسيا حتى الانتخابات عنوان متفق عليه في بغداد، الذي يمكنها التوقيع معه على اتفاقات وإنهاء الخلافات فستضطر الشركات الروسية لاتخاذ قرار وحدها من أجل استمرار سيطرتها على الإقليم الكردي وإذا ما كانت ستستمر في هذه السيطرة.

       المسافر الدائم

ستضطر روسيا للاعتماد على إيران كمسار لتجاوز العقوبات الدولية. لافروف المسافر الدائم إلى الشرق الأوسط، هبط الأسبوع الماضي في طهران لبناء منظومة تعاون اقتصادي لنقل البضائع من إيران إلى روسيا – ومن هناك إلى الهند عبر إيران. تستورد موسكو مؤخراً سلعاً إلكترونية وكهربائية بكمية كبيرة من طهران، من بينها أجهزة كهربائية بيتية، وحواسيب وهواتف خلوية من إنتاج أمريكي، التي تصل إلى إيران كما يبدو عبر دول الخليج. وحسب تقارير إيرانية، فإن رجال أعمال روساً “يتعلمون” من نظرائهم الإيرانيين كيفية التغلب على حواجز العقوبات وعن طرق للدفع خارج البنوك.

نطاق التجارة بين إيران وروسيا 5 مليارات دولار، لكن الدولتين وقعتا على اتفاقات طويلة المدى تتضمن التزامات باستثمارات روسية في إيران بمليارات الدولارات. وهذه تشمل بيع منظومات سلاح متطورة مثل منظومة الدفاع الجوي “اس400” وطائرات حربية من نوع “سوخوي 35”. أول أمس في قمة دول بحر قزوين في تركمانستان، التقى بوتين مع الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي، وأعلنا عن نية زيادة نطاق التجارة، بل واقترح رئيسي إقامة منظومة مالية إقليمية مشتركة – التي ستتجاوز المنظومة البنكية الغربية “من أجل تجنب وضع نكون فيه تحت الضغط”. روسيا وإيران تخططان أيضاً لفتح الممر الشمالي الغربي، الذي سيستبدل مسار البضائع التقليدي الذي يخرج من روسيا عبر بحر البلطيق إلى جبل طارق، ومن هناك إلى البحر المتوسط ومن ثم إلى قناة السويس والهند.

الممر الجنوبي سيصدر بضائع من روسيا عبر تركمانستان إلى إيران، عن طريق بحر قزوين، ومن هناك عبر البر إلى الإمارات ومنها إلى الهند. هكذا ستوفر موسكو حوالي 30 في المئة من تكاليف النقل وستقصر زمن الشحن إلى حوالي النصف. النتيجة هي أن روسيا، الدولة العظمى التي تستطيع أن تملي على إيران أو على الأقل أن تؤثر على سياستها، تحولت إلى دولة ترتبط بالتعاون الإيراني. المسار نفسه يتوقع أن يمس بحجم الملاحة في قناة السويس وبالمداخيل التي تحصل عليها مصر. ولكن في وضع تجد فيه روسيا نفسها تحت نظام عقوبات ثقيل، يبدو أن الشرق الأوسط العربي الذي يؤيد أمريكا بالأساس، يهم موسكو بدرجة أقل.

السؤال المطروح هو: ماذا سيحصل للاستثمارات التي تعهدت بها روسيا في الشرق الأوسط، مثل إقامة المفاعل النووي في مصر، الذي تم الاتفاق على إقامته في 2015، والذي من شأن مصر أن تموله بواسطة قرض من روسيا بمبلغ 25 مليار دولار لمدة 22 سنة. قبل أسبوعين، أعلنت روسيا بأنها بدأت في إنتاج قطع المفاعل، كما يبدو من أجل إظهار نية الوفاء بالالتزام. وتعهدت أيضاً بأن تستثمر في ترميم شبكة سكة الحديد المتهالكة في مصر، والمشاركة في تطوير منطقة صناعية قرب قناة السويس. ولكن إزاء الصعوبات الاقتصادية والعقوبات المفروضة عليها، أضحت مصر متشككة في قدرتها على تنفيذ التزاماتها.

في اجتماع المنتدى الاقتصادي الدولي الذي عقد هذا الشهر في سانت بطرسبرغ، أشاد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، “بالعلاقات الخاصة بين مصر وروسيا” – لكنه يعتمد في هذه الأثناء على الاستثمارات التي تعهدت بها السعودية أكثر اعتماده على الاستثمارات التي تعهدت بها روسيا. إذا كانت موسكو تأمل في استغلال ضعف أمريكا في الشرق الأوسط وسياسة بايدن الانفصالية من أجل ترسيخ وتوسيع تموضعها في المنطقة، فيبدو أن الإشارات الدالة تميل في غير صالحها.

بقلمتسفي برئيل

 هآرتس 1/7/2022



Source link

Leave a Reply

Your email address will not be published.

close