News

عندما تجد الفلسفة بيتاً يؤويها


أن تجد الفلسفة بيتاً يؤويها في عالمنا العربي، فذلك إنجاز كبير لنا وللفلسفة، ويأتي جواباً عن تساؤلات عديدة، طرحها كثر من محبي الحكمة، حول ضرورة إعادة الاهتمام بالفلسفة وشؤونها في بلداننا العربية، بالنظر إلى أهميتها وأهمية دورها التنويري، وبوصفها الأداة المعرفية الضرورية للتفكير الإنساني، التي لا تكف عن طرح الأسئلة، وإبداع المفاهيم، وتشييد المقامات.
وإن كانت الفلسفة قد استغرقت كثيراً في التفكير بالفضاء العام، وبالمدن الفاضلة وغير الفاضلة، وبالسير الفلسفية التي سار عليها أفاضل الفلاسفة، وسكنت قروناً عديدة في مجالنا الثقافي العربي، مستظلة بالحكمة، ومستقية من عمق المعرفة ما يمكّننا من تفسير الحياة، وإضاءة ظواهرها، وتضمينها بالمعاني القابلة للتجسيد، فضلاً عن توفيرها إمكانات في بثّ الفيوض الفكرية المتاحة للتحليل والنظر. وقد اعتبرها قدماء اليونان «أم العلوم»، فيما وصفناها في عصور سابقة «أشرف العلوم»، واسترشدنا بها، فقدمت لنا إضاءات وحججا عقلانية حول أصل الطبيعة والوجود والإنسان، واستوعبت الواقع الملموس والأفكار المجرّدة معاً، وباتت مسلكاً ومنهجاً لرؤية كونية شاملة، لكن بعد ذلك جاء زمن تسيّدت فيه الأنساق والرؤى المتشدّدة والفهوم الضيقة، التي أنتجتها بعض المرجعيات والمذهبيات المنغلقة، والتوجهات المتعصّبة والمنطوية على ذاتها، وفي ذاتها، فارتفعت فيه أصوات الداعين لإسكات الفلاسفة، وإخراج الفلسفة من مضاربنا، فيما حاول بعضهم الحط من شأن الفلسفة وقدرها، بل ومطاردتها وتحريمها، إن لم نقل تجريمها وتكفيرها، وأفضى كل ذلك إلى بقاء الفلسفة على مدى قرون عديدة منبوذة في مضاربنا، وتفتقد البيت الذي يؤويها في عالمنا العربي، لذلك فكّرت بصالات السينما، والمقاهي، والمطاعم، والمتاحف، والشوارع، والحدائق، وبكلّ شيء خارجيّ تقريباً، من دون أن تجد حضناً يؤويها، ويهتم بها في تجربة حميمية وخاصّة، وبالتالي جاء تأسيس «بيت الفلسفة» في إمارة الفجيرة في أكتوبر/ تشرين الأول 2021، ليعلن تشييد مأوى للفلسفة في عالمنا العربي.
وتمكن «بيت الفلسفة» خلال أقل من عام على تأسيسه، من إصدار ستة كتيبات، تُعرّف بأهم أعلام الفلسفة العربية الوسيطة، الكِندي والفارابي وابن سينا وابن باجة وابن رشد وابن طفيل، في إطار نشر الوعي الفلسفي لأوسع شريحة من المتلقين، إلى جانب إصدار ثلاثة أعداد من مجلة «بيت الفلسفة» الفصلية، التي يرأس تحريرها أحمد برقاوي، وتسعى لأن تشكل لسان حال جميع الفلاسفة العرب والمشتغلين بالفلسفة، إضافة إلى أن البيت بصدد إصدار سلسلة طويلة بعنوان أسئلة الفلسفة.
واحتفل بيت الفلسفة باليوم العالمي للفلسفة في نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، بعقد مؤتمر عربي، تحت مسمى «من السؤال إلى المشكلة»، شارك فيه عدد من الفلاسفة العرب، وهو بصدد التحضير لعقد المؤتمر الثاني لإحياء اليوم العالمي للفلسفة المقبل تحت عنوان «الفلسفة والراهن». كما شكّل حلقة الفجيرة الفلسفية، التي تضم كلاً من أحمد برقاوي، وفتحي التريكي، ومحمد محجوب، وحسن حماد، ومحمد المصباحي، وأنور مغيث، ومشير عون، وخالد كموني، ومليكة بن دودة، وموسى برهومة، والزاوي باغورة.
ويكتسي مشروع «بيت الفلسفة» الثقافي أهميته من دوره في نشر الوعي الفلسفي، ومن السعي إلى امتلاك الوعي بواقعنا العربي، وبصيرورة العالم، واتخاذ منحى فكري يعمل على نشر الأفكار المستنيرة والتوجهات العقلانية، إذ لا يمكن الحديث عن التنوير والحداثة والإنسانية والتسامح، دون وعي فلسفي بهذا كله، لذلك «أخذ بيت الفلسفة على عاتقه مهمّة بناء خصوصيّة تميّزه عن سائر المشاريع الفلسفية في العالم العربي، ونعني تحديداً فتح مسار الفلسفة العياديّة من خلال ترجمة أمّهات الكتب التي تناولت هذا الموضوع، وكتابة مقالات، وتنظيم لقاءات ومحاضرات وورش عمل بين المختصين من جهة، والمعنيين في الوزارات المختصة والمشتغلين في الفلسفة من جهة أخرى».

ويبدو أن تشييد بيت الفلسفة يأتي استجابة لعودة محمودة إلى الكتابة الفلسفية العربية، التي تزايدت في السنوات الأخيرة، بوصفها ظاهرة فكرية جديدة وواعدة، يحذوها الإقرار بأنه منذ أن أهملنا الفلسفة وطردناها من «بيت الحكمة» وبيوتنا، انهارت مقومات حضارتنا ومدنيتنا، ودخلنا في عصور انحطاط طويلة الأمد.

ويبدو أن تشييد بيت الفلسفة يأتي استجابة لعودة محمودة إلى الكتابة الفلسفية العربية، التي تزايدت في السنوات الأخيرة، بوصفها ظاهرة فكرية جديدة وواعدة، يحذوها الإقرار بأنه منذ أن أهملنا الفلسفة وطردناها من «بيت الحكمة» وبيوتنا، انهارت مقومات حضارتنا ومدنيتنا، ودخلنا في عصور انحطاط طويلة الأمد، اتسمت بمحاربة الفلسفة وتكفير الفلاسفة ورجمهم. وعليه ارتبطت العودة الجديدة إلى الفلسفة، التي تشهدها بلداننا العربية منذ مدةّ، في أذهان الشابات والشباب، والنساء والرجال، بالتفكير النقدي للسائد من الأطروحات والأفكار والرؤى، وبات الراسخ في الأذهان والوعي لدينا جميعاً أنّ الفلسفة ظُلمت في المجال التداولي العربي والإسلامي، لكنها بدأت تعود إلى دوائر الاهتمام من جديد، من أجل معالجة أزماتنا الإنسانية ومشكلاتها، الأمر الذي يفسر طموح عميد البيت، أحمد البرقاوي، في أن يكون «بيت الفلسفة منارة للتنوير والتفكير بعيداً عن الأيديولوجيا»، وتجسيد ذلك من خلال مسعى القائمين في جعله «أول مؤسسة ثقافية تُعنى بشؤون الفلسفة، ومركزاً معرفياً في غاية الأهمية ليس في دولة الإمارات العربية المتحدة حسب، وإنما في أرجاء الوطن العربي كافة»، انطلاقاً من فهم ينهض على أن «دور الفلسفة هو تعزيز قيم التسامح والتعايش، التي جعلتها دولة الإمارات واقعاً معيشياً، وإغناء هذه التجربة التي تتطلب جهداً فلسفياً يخاطب المجتمع الذي يعجّ بالتنوع الثقافي، ويُكرِس قيماً، ويُعزّز أنماط التفكير النقدي والفاعل».
وفي زمن ليس ببعيد، اعتبر الفيلسوف الألماني مارتن هيدغر أن اللغة «هي بيت الكينونة» أو بالأحرى «بيت الوجود»، الذي يسكنه الإنسان، وفيه يتخذ كل شيء مكانه، ذلك أن اللغة هي التي تفتح لنا العالم، وهي وحدها التي تمنحنا ممكنات الإقامة بالقرب من موجود منفتح من قبل، وأن نتوجه بالخطاب إليه بما هو موجود. يضاف إلى ذلك أنه بالنظر إلى أن البيت يمثّل، بالنسبة إلى ساكنيه، مساحةً يستضيفون فيها الكون والأشياء، فإنه يشكل أيضاً حصّتهم من العالم، التي تحضر، إما عبر زواره الذين يستضيفهم فيه فلاسفة ومفكرين ومشتغلين في الشأن الفلسفي، أو عبر الأشياء والأغراض التي يجلبها هؤلاء جميعاً إلى البيت، الذي يتحول شيئاً فشيئاً إلى صورة للعالم، وفضاء يغلّف طبقات بني البشر، ويحدّد مجالات حراكهم ومقدراتهم وإمكانياتهم، إلى جانب أنه يشكّل كذلك حاملاً أساسياً لعلاقتهم بالمجرد والمحسوس وبالأفكار والآخرين.
ويدعونا تأسيس بيت الفلسفة إلى الانتباه لضرورة إيلاء الفعل الإنساني المستند إلى العقل والتعقل أهمية خاصة، وإلى ما يجعله يسمو بهذا الفعل إلى مقامات عليا، من خلال اعتبار العقل هو المدبر لكل تفكير نظري يخص معارف الإنسان، وهو ما يتطلب التوقف عند الممارسات والتشريعات المعرقلة للفلسفة في بلداننا العربية، التي تعيق ممارسة الحق الطبيعي بالتشريع لمختلف الحقول، بما فيها حقل السلطة، أي سلطة كانت، خصوصاً أن السلطات في بلداننا العربية صارت شمولية، تحاكم العقل بدلاً من أن يحاكمها، وتفرض عليه قيوداً، فتسكته وتتكلم نيابة عنه. إن الفلسفة بمعنى ما، تقوم على السؤال، لكنها لا تكتفي به، رافضة أي جواب كلّي نهائي، ومتجاوزة بذلك الأسئلة والأجوبة، فكل سؤال يترجم فلسفياً إلى إشكالية، أي إلى ممارسة السؤال فلسفياً، حتى سؤال الفلسفة عن ذاتها، ماهيتها، يغدو كإعادة نظر في كل ما تكدّس لديها من أسئلة وأجوبة. وهذا يقتضي الحرية غير المجتزأة في التعبير وإبداء الرأي، وفي التفكير، وفي الكلام، وفي تحمل المسؤولية.

كاتب سوري



Source link

Leave a Reply

Your email address will not be published.

close