News

بعد 66 عاماً على المذبحة.. وثائق تكشف كيف خططت إسرائيل لكفر قاسم تحت غطاء “العدوان الثلاثي” لتهجير فلسطينيي المثلث


لناصرة- “القدس العربي”:

يتواصل الكشف عن وثائق تاريخية إسرائيلية تؤكد أن مذبحة كفر قاسم، التي وقعت في 29.10.1956، كانت جزءاً من خطة تهجير فلسطينيين بقوا داخل قراهم رغم نكبة 1948، وكانت ترمي إلى طردهم إلى الأردن. هذا ما تُدلّل عليه مستندات أرشيفية خاصة بالمحكمة الصورية الإسرائيلية للنظر بقضية مذبحة في كفر قاسم، ويكشف عنها جيش الاحتلال اليوم.

الوثائق تؤكد ما حاولت المؤسسة الإسرائيلية نفيه منذ عقود: المذبحة جزء من خطة “خلند” لطرد ما أمكن من فلسطينيي الداخل لخارج البلاد، خاصة إلى الأردن. يشار إلى أن إسرائيل ارتكبت مذبحة بحق أهالي قرية كفر قاسم في منطقة المثلث تزامناً مع العدوان الثلاثي على مصر، وتحت غطاء دخانها، وفيها قتلت 49 من أهالي كفر قاسم شيوخاً ونساءً وأطفالاً، وأصابت عشرات منهم أثناء عودتهم من قطيف الزيتون في كرومهم، بحجة أنهم انتهكوا أمراً عسكرياً بمنع التجول لم يسمعوا به. ولاحقا زعمت إسرائيل أن المجزرة تمت دون تعليمات عليا، وأنها فعل أقدمت عليه قوات في الميدان.

 غداة الكشف عن المذبحة من قبل بعض نواب الحزب الشيوعي الإسرائيلي وحزب “مبام” الصهيوني اليساري، أقامت إسرائيل محكمة لمقاضاة المتورطين، وسرعان ما تبيّن أنها محكمة صورية كانت تهدف لامتصاص الغضب وتزوير الحقائق. واستناداً للمستندات التاريخية التي يكشف عنها الآن، بعد قرار للمحكمة العسكرية العليا (استجابة لطلب جهات إسرائيلية بحثية) يتضح أنه خلال المداولات القضائية (التي بقيت سرية 60 عاماً) ذكرت عدة مرات “خطة خلند”، وهذه عملياً المرة الأولى التي تصادق فيها جهة إسرائيلية رسمية على امتلاك المؤسسة الأمنية الإسرائيلية خطة سرية لطرد عرب فلسطينيين في منطقة المثلث إلى بلدات أخرى، أو إلى الضفة الغربية التي كانت تحت الحكم الأردني حتى 1967. يشار إلى أن منطقة المثلث الكبير هي في الأصل جزء من الضفة الغربية واكتسبت اسمها من امتدادها بين ثلاث مدن هي نابلس وجنين وطول كرم، وفي اتفاق الهدنة في ربيع 1949 تنازل الأردن عن شريط من المثلث بدءاً من أم الفحم حتى كفر قاسم، وتم تسليمه لإسرائيلـ وظلّ هذا الشريط يحمل اسم المنطقة الأم، المثلث.

طريقتان للتهجير

حسب البروتوكولات التي سمح بنشرها، فإن قائد فرقة شرطة حرس الحدود التي عملت في كفر قاسم جفرئيل دهان قال خلال شهادته بأنّه “سمع إطلاق نار من كل اتجاه”، وأنه هو بنفسه قتل عدداً من الأشخاص الذين حاولوا الهروب، وادّعى بأن أحد الجنود الذي أطلق النار على 30 ضحية كان “عصبي المزاج” وأضاف: “صرختُ عليه بأنه لم يكن هناك أي حاجة لقتلهم”. وفي شهادته يقول جفريئيل دهان أيضاً: “تلقيت أمراً بفرض منع التجول من الساعة الخامسة مساء حتى السادسة من صباح اليوم التالي، وقضى الأمر بـإعلام مختار القرية بأن كل من يُشاهَد خارج بيته في هذه الساعات سيقتل”. وأشار الضابط إلى أن أحد الضباط سأل القائد ميلنكي حول الأشخاص الذين سيعودون إلى قراهم بعد ساعات منع التجول، فكانت الإجابة واضحة وصريحة: “بدون أي مشاعر، أفضل أن يكون بعض القتلى فهكذا يكون هدوء في المنطقة”، وأكد أن “لا يكون قتل، بل التسبّب بالوفاة”.

وتابع دهان بأنه قام بتقسيم جنوده لعدة أقسام، وتم توزيعهم على عدة مناطق في كفر قاسم، وقال بأنه قام بشرح خطة العمل في الساعة الثالثة، وأنه لم يُسأل من قبل الجنود أي سؤال حول العملية، وأضاف أنه سمع أحد الأشخاص العرب يعلن عن منع التجول بصوته في الساعة الرابعة والربع. وتابع القول إنه توجّه لمجموعة أفراد شرطة حرس الحدود كانت في الجهة الغربية من قرية كفر قاسم، وأمرَهم بأن يسمحوا لجميع الأشخاص الذين يعودون إلى القرية بالدخول دون المسّ بهم، وقال بأنه عاد إلى القرية: “وفي الساعة الخامسة والربع رأيت أشخاصاً في الشارع، فقمت بإطلاق النار في الهواء بهدف تخويفهم، وأمرتُهم بالعربية أن يدخلوا إلى البيوت، وسمعت إطلاق نار في الجهة الشمالية للقرية، وتوجهتُ إلى المكان، وعلمت أن الجنود رأوا ثلاثة أشخاص في الخارج وأطلقوا النار عليهم. قتلوا واحداً والآخران هَرَبا. إطلاق النار لم يتوقف. سمعت أصوات إطلاق نار من عدة جهات”. ويضيف: “توجهتُ نحو الجهة الغربية، وهناك رأيت عدداً من القتلى لا أتذكر بالضبط كم كان العدد، فقد كانت ظلمة. في نفس الوقت وصلتْ مجموعة من الأشخاص بينهم رجال ونساء وأطفال، أمرت النساء والأطفال بأن يذهبوا إلى البيوت بمرافقة الجنود، وبقي معنا ثلاثة رجال وأردت أن أستفسر منهم من أين هم عائدون، فبدأوا يصرخون باتجاهنا: لماذا تعتقلونا؟ واستداروا محاولين الهروب فأمرتُ الجنود بإطلاق النار عليهم، وأنا أيضاً أطلقت النار، وقتلنا الثلاثة”.

 كما قال دهان، في شهادته المخففّة عمّا ارتكبه من فظائع: “عدت إلى الجهة الغربية عندما وصلت شاحنة وفيها 20 حتى 30 شخصاً عربياً، أمرتُهم أن يجلسوا في عربة الشاحنة، أعلمتُهم عن فرض منع التجول، ونقلتُهم إلى المدرسة، وطلبت منهم البقاء هناك حتى الصباح”.

خطة خلند

وتظهر المستندات التاريخية من محكمة المتوّرطين في مذبحة كفر قاسم، التي يكشف عنها تباعاً اليوم، أن هناك طريقتين لتهجير أهالي المثلث؛ لبلدات عربية أخرى داخل أراضي 48، والخطة الثانية تقضي بطردهم إلى الأردن. وحسب الخطة تقرر إصدار أمر عسكري بمنع التجوّل في منطقة كفر قاسم فور اندلاع حرب “العدوان الثلاثي”، وكان القائد العسكري هناك يسسخار شدمي قد قرر تبكير موعد سريان أمر منع التجوّل من الساعة التاسعة ليلاً إلى الساعة الخامسة مساء، فيما كانت أغلبية أهالي البلدة في كروم الزيتون، دون أي فرصة لسماع التعليمات العسكرية، خاصة أنها سلمّت لمختار كفر قاسم قبل نصف ساعة فقط من بدء سريانها، وعندما عاد الأهالي من كرومهم كان حاجز “حرس الحدود” الصهيوني ينتظرهم في مداخل البلدة، فأطلقوا الرصاص العشوائي عليهم.

في شهادته يزعم قائد منطقة المركز في جيش الاحتلال، وقتذاك، الجنرال تسفي تسور (عيّن لاحقا قائداً عاماً للجيش) أنه لم تكن هناك نية لإخراج “خطة خلند”

 هذه لحيز التنفيذ (ذكرت “خطة خلند” عدة مرات في شهادته داخل المحكمة). وطبقاً لشهادته يقول تسور: “اعتقدنا أنه بحال نشبت الحرب في المنطقة بين الطيبة وكفر قاسم أن من المرجح أن يهرب السكان بسبب المعارك، اعتقدت أننا لن نقوم بكل ما لدينا من قوة لوقف الهجرة، إلا إذا حدثت مشكلة أمنية”.

أما الحاكم العسكري العام الجنرال ميشآل شوحم فقد قال في شهادته، وفقاً للأرشيفات، إن قلائل فقط علموا بوجود “خطة خلند” السرية زاعماً أنه لم يصادق عليها رسمياً، ولذا لم يكن هناك ما نطبقّه فعلياً”.

وحسب الأرشيفات، فقد علم بوجود “خطة خلند” بشكل كامل الجنرال يسسخار شدمي، قائد وحدة 17 في حرس الحدود، التي ارتكب جنودها المذبحة وهم تحت إمرته. وقال شدمي في شهادته أيضاً: “قبل أيام من بدء الحرب زارني في مكاتبي الحاكم العسكري في المنطقة الوسطى الجنرال مارط زئيف كي يشرح لي ضرورة القيام بخطوات تمنع سيطرة العرب في منطقة حدودية. بعد ذلك وصلتني تعليمات “خطة خلند”، وفي هذه المرحلة فقط ظهر أمامي الضابط شموئيل ملينكي قائد القوة الموكلة بعملية “الإخلاء والحراسة” في المنطقة الحدودية الخاضعة للحكم العسكري”.

قتلى عرب بجانب السيارة

ويستدل من هذه الأرشيفات، التي تكشف للمرة الأولى، أن شدمي قال إنه أطلع ملينكي فوراً على “خطة خلند” وتعليماتها جاهزة للتنفيذ وعليه التحرك بموجبها. هنا نظر لي ميلينكي بابتسامة واسعة معرباً عن رضاه عن نفسه، وهو يقول إن “خطة خلند” هي أصلاً من تخطيطه هو. وقبل يومين من ساعة التطبيق بدأت بالضغط من أجل الحصول على مصادقة على الخطة، وقيل لي إنه لم يصادق عليها بعد. ويوم الإثنين، يوم التنفيذ، أبلغني قائد منطقة المركز بعدم وجود مصادقة على “خطة خلند”، وفهمت منه أن التعليمات هي عدم المساس بنظام حياة العرب في المنطقة، وأن قرار المستوى القيادي الأعلى هو عدم نهب أي عربي وسرقة بيته”.

أنا جاهز للتنفيذ

ويقول شدمي، وفقاً للأرشيف التاريخي: سألت الجنرال تسور كيف ستتغلب قوات الأمن على مشاكل الأمن، فأجابني بالقول إن هناك حاجة لملاءمة العملية لقرار المستوى القيادي الأعلى، أي عدم سلب العرب. طلبت إذناً لفرض أمر منع تجوّل في ساعات الليل من أجل منع حوادث حتمية بين الجنود المتوترين ممن يخرجون للمرة الأولى للتموضع في مواقع عسكرية على الحدود وبين عرب يتجولون في المنطقة. تلقيت إذناً فقط بفرض منع التجوال، ولاحقاً دعوت ملينكي الذي ضم لقواتي كخبير لمشاكل الحكم العسكري مع الفدائيين”.

كذلك يصف شدمي في تتمة شهادته: “في ظل عدم وجود “خطة خلند” تم التشديد ضمن سلة التعليمات العسكرية على مسألة إخلاء مواطنين عرب بحال تم نحو الغرب أي نحو أراضي الدولة. ينبغي التعامل بكل أدب من أجل عدم التورط وتعقيد الأمور”.

أما ميلنكي نفسه فيشرح في شهادته حول “خطة خلند”: “تداولت التعليمات العسكرية مواضيع مرتبطة بالأقلية العربية في منطقة الحكم العسكري. هناك عدة مراحل للتنفيذ مثل: تشخيص الجهات المعادية لدى الشبيبة العربية، مصادرة السيارات، فرض منع تجوال، وإخلاء كامل لقرى عربية عند الحاجة. تشمل الخطة جولة ميدانية للقيادات التابعة لوحدتي”.

كما قال ميلنكي إن شدمي لم يصادق له القيام بتطبيق “خطة خلند”، ويتابع: “أنا من جهتي أجبته بالقول إنني جاهز لتنفيذ كافة المراحل، وكل منها على انفراد، وما ينقصني هو أمر للقيام بذلك.

الاعتراف بالغبن التاريخي

في تعقيبه على نشر البروتوكولات قال رئيس «القائمة المشتركة» النائب أيمن عودة: “البروتوكولات أكدت ما قلناه طيلة السنين”، وتابع: “على الدولة والحكومة الاعتراف بالغبن التاريخي، وبارتكاب مجزرة كفر قاسم، من خلال ذلك تحمّل مسؤولية كاملة على حصول المجزرة. هذا حق أساسي وجماعي من الدرجة الأولى لشعبنا ونعتبره جزءاً من إعادة الحق لأبناء شعبنا كافة”.

وقالت زميلته النائبة عايدة توما-سليمان: “مجزرة كفر قاسم مثال صارخ وفاضح لكل مخططات الاقتلاع القتل والتهجير التي مورست بحق شعبنا الفلسطيني، وتوثيق الحقائق بعد المجزرة مباشرة على يد القائدين توفيق طوبي وماير فلنر فضح مرتكبي المجزرة. وتابعت توما-سليمان: “الآن واضح أكثر من أي وقت مضى أن المجزرة وقعت بتخطيط استراتيجي وعسكري، وبعلم قادة الجيش في ذات الوقت، سنستمر في النضال من أجل الاعتراف رسمياً بالمجزرة وإلزام وزارة المعارف بتعليم حقائق ودروس المجزرة ضمن المنهاج التعليمي لليهود والعرب”.

وعقب النائب اليهودي الشيوعي في المشتركة عوفر كسيف بالقول: “بروتوكولات ومستندات محاكمة مجزرة كفر قاسم التي تم الكشف عنها اليوم تثبت أن الاغتيالات حينها كانت مع سبق الإصرار، كما قلنا دومًا. كانت محاولة لاستغلال اندلاع العدوان الثلاثي (إسرائيل، فرنسا، بريطانيا) لتنفيذ ترانسفير آخر للفلسطينيين”.



Source link

Leave a Reply

Your email address will not be published.

close