Politics

«القدس في الليل حلوة».. إجازة نهاية الأسبوع في «حضرة» الحضارة


قبل غروب شمس كل يوم خميس، وأمام ساحة المصرارة المقابلة لباب العامود أبرز وأهم أبواب أسوار البلدة القديمة بمدينة القدس الشريف، يلتقي المرشد السياحي المقدسي الشاب بشار أبو شمسية بمجموعة من الشباب والفتيات، ليعبروا عبر الباب الممتد تاريخه إلى عهد الخلافة العثمانية، داخل الأزقة العتيقة الضيقة، على وقع ألحان أغنية «مرواً من باب العامود بالكوفية الغالية، شوفوا حضارة الجدود والقامات العالية».

يظل عازف العود المرافق للمجموعة الشبابية، يشدو بأغان وطنية عدة، بينما يجول ومن معه بين عقبات «التوت»، و«البطيخ»، و«الشيخ ريحان»، وهي عبارة عن مدرجات أثرية تتوسط الأزقة التاريخية، لينتقل الجائلون إلى حارات الأرمن، والنصارى، والسعدية الواقعة في قلب الحي الإسلامي، ومازال العود يعزف ألحان، «على الله تعود»، و«يا زهرة المدائن».

يتجمع الشباب والفتيات في منتصف سوق خان الزيت، كونه يعد ملتقى أسواق البلدة القديمة بأزقتها العتيقة، وواجهتها الرئيسة، وقد أحاطهم العديد من سكان البلدة وأطفالها، الذين لم يعهدوا منذ سنوات أصواتاً صاخبة يسمع صداها داخل الأسوار التاريخية، وهنا يترجل أحد الدارسين للتاريخ المقدسي، متقمصاً شخصية الحكواتي، يسرد من خلالها قصص المدينة المقدسة التي لا تنتهي أبداً، ليضفي بذلك أجواء مرحة على أمسية ليلية تاريخية.

ظلام الاحتلال

بالعودة إلى الوراء سريعاً، فإن أحياء القدس القديمة، وعلى مدار سنوات طويلة، تشهد مع حلول ساعات المساء الأولى معاناة طويلة الأمد، إذ يغلق التجار محالهم التجارية في شتى المناطق، لتخلو أزقتها ليلاً من المارة، ومن أي توافد، سواء للتجول، أو الشراء، أو لتنشيط الحركة السياحية، بفعل إجراءات الاحتلال التعسفية التي حولت المدينة المقدسة إلى منطقة أشباح ظلماء، يحظر الاقتراب منها.

هذه المشاهد القاتمة لا تليق بتاريخ القدس، وحضارتها وقدسية أماكنها، لتدق ناقوس الخطر لدى 12 شاباً وفتاة مقدسيين، والذين زينوا ليالي أولى القبلتين، وأحيوا داخل أزقتها ما دفنه الاحتلال مراراً.

«القدس في الليل حلوة»، اسم المبادرة التاريخية، بإشراف جمعية «برج اللقلق» الثقافية المقدسية، والتي بددت من خلالها المجموعة الشبابية المختصة في دراسة التاريخ المقدسي ظلام الاحتلال، الذي قض مضاجع المقدسيين طويلاً.

فتلك المبادرة تتضمن جولة أسبوعية برفقة مرشدين سياحيين، وعشرات من السكان والزوار، والتي تجوب أزقة القدس، وأسواقها، ومطاعمها، وكذلك الأماكن الدينية والحارات التابعة للطوائف المختلفة، كحارة الأرمن، والكنيسة الجثمانية، والحي الإسلامي.

في أحضان التاريخ

جولات القدس في الليل حلوة لا تتوقف هنا، فعلى مدرجات البلدة، وبين البيوت والممرات يشرح القائمون على المبادرة تاريخ القدس الشفوي، ويخوضون غمار أحداث الحضارات الموثقة في الكتب القديمة، ليقضي المتجول إجازة نهاية الأسبوع في حضرة الحضارة، وبين أحضان تاريخ الأمم والعهود المتعاقبة، وذلك بحسب المرشد السياحي بشار أبوشمسية.

أبوشمسية أحد القائمين على فكرة مبادرة «القدس في الليل حلوة»، والتي تنفذ للعام الرابع على التوالي، يقول لـ«الإمارات اليوم» في حديث خاص «مع نهاية كل أسبوع ننطلق جماعة واحدة مع حلول وقت المساء، نتجول بين أركان حضارة القدس العريقة، ونروي لكل من يرافقنا من الكبار والصغار تاريخ المدينة المقدسة، وحقائق كل زاوية ومعلم فيها، وكل ذلك يأتي ليلاً حيث الوقت الذي تئن فيه البلدة القديمة، وتشتكي انعدام الجائلين بين أزقتها تحت ضوء القمر».

ويبين أن أهم ما يميز جولات المبادرة الشبابية، أنها تحمل طابعاً سياحياً وتراثياً، وتتنوع فعالياتها المسائية ما بين سرد للمعلومات التاريخية، وترديد الأناشيد الوطنية، لإضفاء أجواء مغايرة بين الزوار والجائلين.

وتطرق أبوشمسية في حديثه إلى التفاعل الشعبي لسكان البلدة القديمة مع المبادرة الشبابية، قائلاً: «إن مبادرتنا تشهد تفاعلاً شعبياً كبيراً من سكان القدس قاطبة، والأعداد المشاركة معنا في ازدياد ملحوظ، ومعظمها من الشبان والصبية، وكذلك العائلات التي تفضل قضاء إجازة نهاية الأسبوع بين جنبات التاريخ والحضارة».

ويضيف، «من بين المشاهد الجميلة التي جسدتها «القدس في الليل حلوة»، أن العديد من المشاركين في فعالياتنا يتوافدون من بلدات الداخل الفلسطيني المحتل، ومدن الضفة الغربية.

ولم يغفل القائمون على «القدس في الليل حلوة»، مشاركة أطفال القدس في مبادرتهم الشبابية، لربطهم بتاريخ الآباء والأجداد، وأجيال الحضارات المتلاحقة، حيث ينفذون لهم فعاليات خاصة، تتكون من ألعاب ترفيهية عدة، يستطيعون من خلالها حفظ تاريخ القدس، بأسلوب بسيط يتناسب مع براءة طفولتهم، وصغر أعمارهم.


أهم ما يميز جولات المبادرة الشبابية، أنها تحمل طابعاً سياحياً وتراثياً، وتتنوع فعالياتها المسائية ما بين سرد للمعلومات التاريخية، وترديد الأناشيد الوطنية، لإضفاء أجواء مغايرة بين الزوار والجائلين.

طباعة






Source link

Leave a Reply

Your email address will not be published.

close